أرخبيل المعرفة

حين كانت الأبواب مفتوحة والزيارات بلا مواعيد.. إننا نفتقد تلك الأيام الدافئة

هل تذكرون تلك الأيام؟ عندما لم تكن الزيارة تحتاج إلى موعد، وكان طرق الباب فجأة يعني لقاءً ممتعًا لا إزعاجًا؟ كنا نذهب إلى بيوت الأهل والأصدقاء دون سابق إنذار، ونُستقبل بترحاب صادق، ليس لأن البيوت كانت مجهزة دائمًا، بل لأن القلوب كانت مفتوحة قبل الأبواب.

لم نكن نحتاج إلى رسائل واتساب نسأل فيها: “هل أنتم متفرغون؟”، ولم يكن أحدٌ يجيب: “كان عليكم إخبارنا مسبقًا!”. كانت الزيارة عفوية، لكنها محملة بالدفء، كأنها نسمة هواء باردة في يوم صيفي، أو رائحة خبز خرج للتو من الفرن.

لكن كيف كانت الزيارة بلا سبب وتنجح دائمًا؟
لأن العائلة التي قررت الزيارة لم تكن مشغولة بشيء آخر، ربما شعروا بالضجر، لم يكن لديهم “برنامج” لملء الوقت، فخطرت ببالهم فكرة زيارة الأحباب. وتارةً، كانت الزيارة تأتي كمبادرة تلقائية: أحدهم يجد في بيته صندوق حلويات، فيفكر: “لم لا نأخذها معنا ونزور فلانًا؟”.

أما العائلة المستقبلة، فلم تكن تحتاج إلى تحضيرات خاصة أو ضغوط ضيافة. كانوا يفرحون بالزيارة كما هي، ببساطتها، دون أن يشعروا أن عليهم تقديم أكثر من ابتسامة صادقة، وكوب شاي، وربما بعض المكسرات المتاحة دائمًا في أحد الأدراج. لم يكن هناك خوف من أن “البيت ليس مرتبًا بما يكفي”، لأن المودة كانت تعلو فوق التفاصيل الصغيرة.

حتى لو كان أصحاب البيت نيامًا، فالجميع ينهض دون تذمر، يبتسمون، ويستقبلون الضيوف بسعادة، لأن الفرحة باللقاء كانت أهم من أي شيء آخر. لم تكن هناك اعتذارات، ولا شعور بالإحراج، بل كان الجمع هو السر، وكان اللقاء هو العيد الصغير الذي يمنح اليوم طعمًا مختلفًا.

كنا نجلس بالساعات، نتحدث عن كل شيء ولا شيء في آنٍ واحد، بلا هواتف تقطع حديثنا، ولا إشعارات تسرق انتباهنا. الضحكات كانت صادقة، والنقاشات كانت تمتد دون أن نشعر بالوقت. لم يكن أحدٌ يراقب ساعته، ولم يكن أحدٌ “مشغولًا جدًا” لدرجة أنه لا يجد وقتًا للقاء الأحباب.

الأطفال كانوا يلعبون بحرية، يركضون بين الغرف أو في الحديقة، يبتكرون ألعابهم الخاصة، يقعون ثم ينهضون، دون أن يكون هناك هاتف يصرف انتباههم عن الحياة الحقيقية. أما الأمهات، فكنّ يجلسن يتحدثن بلا تصنّع، بينما يُعدن القهوة، ويقدمن الحلوى المنزلية التي لم تُشترَ خصيصًا للضيوف، بل كانت دائمًا حاضرة لأن “قد يأتي أحد في أي لحظة”.

أما الأعياد، فكانت قصة أخرى…
كانت البيوت تمتلئ، والوجوه تضيء، والعيدية تُمنح بيدٍ دافئة وقبلة على الجبين، وليس عبر تحويل بنكي أو رسالة باردة. كنا نذهب من بيتٍ إلى بيت، نُقبّل أيدي الأجداد، نأكل ما لذّ وطاب، وننهي اليوم بقلوب ممتلئة بالسعادة لا بالصور التي نوثق بها كل شيء وننسى أن نعيشه.

وصلة الرحم؟
لم تكن مجرد “عادة اجتماعية”، بل كانت جزءًا من نسيج حياتنا. كنا نذهب لزيارة المرضى، لا لنقول “شفاك الله” عبر رسالة نصية، بل لنمسك أيديهم وندعو لهم بقلوب صادقة. كنا نواسي من فقد عزيزًا، لا بإيموجي حزين، بل بالحضور الفعلي، بالكلمة الطيبة، بالكتف الذي يُسند.

اليوم، صارت الزيارات تخضع لمواعيد، وصارت الأبواب تُفتح بشيء من الحذر، كأننا فقدنا عفويتنا في العلاقات. صار الناس يعتذرون لأن “البيت غير مرتب”، أو لأن “اليوم مزدحم”، أو لأنهم ببساطة لم يعودوا معتادين على اللقاءات التي لا يُخطط لها مسبقًا.

لكن ربما، فقط ربما…
لو تركنا هواتفنا قليلًا، وزرنا شخصًا عزيزًا بلا سابق إنذار، ولو جلسنا معه دون أن نشعر أن علينا المغادرة سريعًا، ولو جعلنا الحديث يمتد كما كان يفعل آباؤنا وأجدادنا…
ربما كنا سنستعيد بعضًا من ذلك الدفء الذي نفتقده.

وعند المغادرة، كعادة صحية جميلة، كان أهل البيت يحرصون على تقديم كأس من الماء للضيف، حتى يواجه البرد دون أن يؤذيه، ويؤكدون على الأطفال الصغار أن يشربوا القليل قبل الخروج.
ثم نخرج جميعًا، وأمي تلف شالها حول رأسها، وأبي يضع بورنوسه على كتفيه، نقف عند الباب نودعهم، وعلى أمل لقاء قريب، تستكمل النساء حديثهن خارجًا بينما يسخن محرك السيارة، فالمغادرة لا تأتي فجأة كما الحضور، بل هي جزءٌ ممتد من اللقاء نفسه.

وحين يبدأ ضيوفنا بالرحيل، نلوّح لهم بفرح، ثم نهرع عائدين إلى البيت مسرعين من شدة البرد، وأبي يتمتم وهو يغلق الباب خلفه بابتسامة دافئة:
“ناس ملاح… إنها لعائلة طيبة!”


📌 المصدر: المدرب حسن جعفر
📌 #استشارات_تربوية | #الحلقة_الثالثة

اظهر المزيد

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى